صديق الحسيني القنوجي البخاري

589

فتح البيان في مقاصد القرآن

بدنه حيث إنه إنسان أو بشر كما كان يأكل ويتغوط ويغضب ويشتهي ويمرض فتأثيره فيه من حيث هو بشر لا من حيث هو نبي . وإنما يكون ذاك قادحا في النبوة لو وجد للسحر تأثير في أمر يرجع للنبوة كما أن جرحه وكسر ثنيته يوم أحد لم يقدح فيما ضمن اللّه له من عصمته في قوله : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] وكما لا اعتداد بما يقع في الإسلام من غلبة بعض المشركين على بعض النواحي فيما ذكر من كمال الإسلام في قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] . قال القاضي ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحراء . ومذهب أهل السنة أن السحر حق وله حقيقة ويكون بالقول والفعل ، ويؤلم ويمرض ويقتل ويفرق بين الزوجين ، وتمام الكلام على هذا في حاشية سليمان الجمل فارجع إليه . وقد ورد في فضل المعوذتين وفي قراءة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لهما في الصلاة وغيرها أحاديث ، وفيما ذكرناه كفاية . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الفلق ( 113 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ( 5 ) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ الفلق الصبح يقال هو أبين من فلق الصبح ، وسمي فلقا لأنه يفلق عنه الليل وهو فعل بمعنى مفعول ، قال الزجاج لأن الليل ينفلق عنه الصبح ويكون بمعنى مفعول وهذا قول جمهور المفسرين ، وقيل هو سجن في جهنم ، وقيل هو اسم من أسماء جهنم وقيل شجرة في النار ، وقيل هو الجبال والصخور لأنها تفلق بالمياه أي تشقق ، وقيل هو التفليق بين الجبال لأنها تنشق من خوف اللّه . قال النحاس يقال لكل ما اطمأن من الأرض فلق ، وقيل هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق اللّه من الحيوان والصبح والحب والنوى وكل شيء من نبات وغيره ، قاله الحسن والضحاك . قال القرطبي : هذا القول يشهد له الانشقاق فإن الفلق الشق يقال فلقت الشيء فلقا شققته والتفليق مثله يقال فلقته فانفلق وتفلق فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق ، قال اللّه سبحانه : فالِقُ الْإِصْباحِ [ الأنعام : 96 ] وقال : فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [ الأنعام : 95 ] انتهى .